اتصل بنـا | من نحـــن فيسبوك
عناوين الأخبـــار
الرئيس السيسي يشهد الاحتفال بتخريج دفعات الكليات والمعاهد العسكرية
رقم العدد
21998
أرشيف المســـــاء
مقالات رياضية
خالـــد العشري
أصل الحكاية
خالـــد العشري
سمير عبدالعظيم
بلا حدود
سمير عبدالعظيم
سامى عبد الفتاح
كلمة حرة
سامى عبد الفتاح
طارق مراد
هاتريك
طارق مراد
إبراهيم كمال
أضواء كاشفة
إبراهيم كمال
 
واحة الإبداع   
 
رجلان فى المرآة
6/22/2015 5:38:17 PM
قصة قصيرة بقلم : سلوى العسال
   

فى صالة النادى الاجتماعى ووسط هذا الحشد الكبير من الأعضاء التقيا بمحض الصدفة ، حسن وهشام صديقان منذ زمن بعيد ، كانت تجمعهما دكة الفصل وما لبثا أن تفرقا كل إلى سبيله ، سافر هشام إلى لندن للعمل وبقى حسن فى بلده ولم يغادر .
اعتلت الشيبة شعر حسن المهندس ، أكل منه الدهر وشرب كما يقول المثل ، لكنه لا يزال يتمسك بروح الشباب مؤمنا بأن سنوات العمر مهما جرت وخلفت من التجاعيد على الوجه ، فإن شباب القلب هو الأبقى ، وكما قال العقاد : لا يبدأ الموت إلا حين يموت إحساسنا بالحياة .
اكتسى وجه هشام بفرحة من وجد ضالته حين رأى حسن ، صديق العمر والطفولة والدراسة ، تعانقا ولم يمنع الفارق بينهما فى الطول من أن يلتصق جسد أحدهما بالآخر فى حب ، كان هشام أطول من حسن بعدة سنتيمترات ، وكانت تلك السنتيمترات مثار دعابات الصديقين الدائمة ، حسن يعايره بالطول وهشام يعايره بالقصر ، ولم تشفع محافظة حسن على لياقته البدنية أن تعفيه من تريقة هشام وسخريته .
اختصر العناق بينهما الذى استمر لدقائق كثيرا من الكلمات ، لكن تلونت نبرة صوت هشام بمشاعر حب طفولى وكأنه يستدعى من الذاكرة أياما من طفولته وقال :
ـ أنا مش مصدق أنى شوفتك ،
بادله حسن حبا بحب :
ـ أنا كمان مش مصدق .
كانت المرة الأخيرة التى تبادلا فيها التحية فى صالة النادى الاجتماعى نفسها منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما ، كان كلاهما خريجا حديثا فى الجامعة، تخرج حسن فى كلية الهندسة فارتبط به لقب حسن المهندس ، وتخرج هشام فى كلية الألسن وكان يرغب فى السفر للخارج ، وعمل حسن مهندسا بالفعل وتزوج ، وسافر هشام إلى لندن وتزوج وانقطعت أخبار كل منهما عن الآخر.
سحب هشام يد حسن بحميمية ودعاه للجلوس جانبا وبادره :
ـ الخمسة وعشرين سنة كأنها دقايق ، لسه زى ما انت يا حسن ما اتغيرتش .
ضحك حسن من قلبه :
ـ وهو انت اللى اتغيرت يا هشام ؟ ، ماشاء الله عليك ، طول عمرك واخد بالك من صحتك ، تاتش وود ، انا بس اللى الشعرتين البيض ظهروا عندى وانت لسه .
ضحك هشام من قلبه أيضا :
ـ مين اللى قال ، أنا بصراحة باصبغ ، بس ما تقولش لحد .
أخذت الصديقين نوبة ضحك هسيتيرى أعادا معها ما كان بينهما من عمر وذكريات ، تبادل كل منهما احتساء كأس الحب والمشاعر الصادقة تجاه الآخر ، اتفقا على أن يلتيقا ثانية ، وأن يتواصلا عبر المحمول والواتس أب والفيس بوك والنادى ، العالم تغير كثيرا وظهر من الوسائل ما يختصر الوقت والمسافات ، ومن التخلف والانعزال والانطواء أن يقطع الإنسان اتصاله بمن يحب .
بدا الاقتراب الحديث بينهما منفذا ومنقذا لكليهما ، كان كل منهما يريد أن يجعل من الآخر الأذن التى تنصت إلى أوجاعه ، والقلب الذى يفرح لأفراحه ، حتى صار موعد لقائهما ثابتا كل أسبوع ، يتفرغ كل منهما له ، حتى وإن كان وراءه مشاغل الدنيا .
فى جلسة ليلية خلت من الضوضاء وعلى إحدى المراكب النيلية ، تنسم الصديقان نسمات منعشة استدرت عطف كل منهما ليبدأ بالشكوى ، تساءل حسن وصوت أم كلثوم يهدهد الروح وهى تنشد أنا وإنت ظلمنا الحب بإيدينا :
ـ ممكن ده يحصل ؟ .
أجاب هشام وكأنه تلقى طوقا للنجاة :
ـ طبعا ، ده هو ده اللى دايما بيحصل .
ـ طيب ازاى ؟ ، اللى أعرفه أن واحد من الطرفين يمكن يظلم والتانى يسامح .
ـ ده كان زمان أيام ما كانت المرأة بتنظر لشريك حياتها على أنه محور الحياة بالنسبة لها ، أما دلوقت فمن ساعة ما نادوا بالمساواة وحكاية تمكين المرأة من أجل الدفاع عن قضاياها أصبح صوتها أعلى ، وكرامتها وكبرياءها فى المقدمة ، وكانت النتيجة إن البيوت اتخربت ، ولو استمرت الحياة ، فعلى أقل تقدير مافيش سعادة أو تواصل بين الطرفين ، كل منهما ينهل من الوحدة .
جاءت الجملة الأخيرة على لسان هشام بأداء إذاعى فصيح ، مما استدعى موجة من الضحك شارك فيها الصديقان ولم تنته إلا على صوت المراكبى وهو يقول منبها : نتحرك يا بهوات ؟ .
أشار هشام إلى المراكبى بالموافقة وتحركت المركب بهما تتهادى وتتمخطر على صفحة النيل ، ورآها هشام فرصة لأن يفتح مع صديقه موضوعا كان يلح عليه كثيرا لكنه كان يمتنع عن البوح فى اللحظات الأخيرة ، كانت طبيعته تغلبه فهو لا يجيد الشكوى وتعود أن يحتفظ لنفسه بأسراره وأوجاعه ، والغريب أن الإحساس نفسه خامر حسن ، باح كل منهما للآخر .
قال هشام :
ـ خلينى احكى لك .
رد حسن بابتسامة :
ـ ده انا اللى عاوز احكى لك .
ضحك الصديقان وانطلق حسن فى الكلام وكأن طاقة سحرية انفجرت داخله ، وكانت الكلمات تتسابق إلى الخروج :
ـ أنت يمكن تشوف مشكلتى عادية وبتحصل كتير ، بس انا وصلت لقناعة بأن مشكلتى مالهاش حل ، من كتر ما جربت الحلول ومش نافع .
أضاف حسن بعد تنهيدة حارقة خرجت مسرعة من صدره ، بينما هشام ينصت جيدا دون أن يعلق :
ـ إحنا بقالنا أكتر من 15 سنة متجوزين ، ماافتكرش أيام حلوة عشناها إلا حاجة كده تتعد على الصوابع ، طول الوقت فى خلاف ، ولما أزعل تلاقيها أخدت جنب وما عندهاش مانع تفضل شهر شهرين على ده الحال ، لحد ما اصبح الحوار بينا منعدم ، مش موجود ، أنا أعرف أن بديهيات العلاقات الانسانية إنك لما تكون بتتعامل مع حد يعز عليك ولقيته أخد جنب منك ، أكيد حاتسأله عن اللى مزعله ، تخيل ده فى قاموسها مش موجود ، وبعدين الأصعب من غياب لغة الحوار بينا ان مشاعرها باردة جدا تجاهى ، ما زالت لحد دلوقت اهلها اهم منى فى حياتها وانتماءها لهم اكبر من انتمائها لى ، يبقى الحياة ازاى بالوضع ده تستمر ؟ ، انا خلاص وصلت لمرحلة تكبير الدماغ وبافكر أصنع لنفسى حياة موازية ، وطظ بقه فى أى حاجة ، ما بقاش من العمر أكتر من اللى فات .
ضرب هشام كفا بكف ، تعملق الاندهاش داخله كأنه مارد خرج لتوه من القمقم ، ثم ضحك ضحكة عالية انتبه لها المراكبى الذى لم يكن رده عليها إلا بضحكة مثيلة ، الضحك حالة جماعية ، قال لاهثا :
ـ تصدق بقه أنا عكسك تماما ، أنت بتعانى من جمود المشاعر وبرود الأحاسيس وأنا بعانى من التهاب المشاعر وسيولة الأحاسيس .
بادل حسن بكفه كف هشام بخبطة كالتى تحدث بين أى اثنين حينا يجمعهما الشعور باتفاق ما ، وصرخ حسن بصوت أجش متحسرا:
ـ طيب يا عم ما تدينى شوية من اللى عندك .
ضحك الصديقان وأضاف حسن :
ـ لما انت عندك زيادة بالشكل ده ، مش المفروض برضه المليان يكب على الفاضى .
رد هشام مستهجنا :
ـ يكب على الفاضى ؟ ، أنت اتعلمت المستوى البلدى ده فى الكلام منين ؟ ، بذمتك انت حسن المهندس اللى كنا بنضرب بكلامه المثل .
تواصل حسن مع هشام وهو ذلك الصديق الذى تعود أن يقبل بسعة صدر ورحابة انتقاد صديقه وسأله :
ـ انت بتتكلم بجد ؟ ، وهو ده لو كان حاصل تبقى مشكلة يا هشام ؟ .
أجاب هشام بجدية :
ـ شوف يا حسن ، انا عرفت مراتى واتجوزتها بنفس الطريقة اللى افتكر انك اتجوزت بيها ، الطريقة التقليدية ، والعشرة بينا فشلت فى انها تفهم طباعى ، وهى من وجهة نظرها أنه لما تغرقنى فى الحب حاكون متشبع به وعمرى ما حابص بره ، ومش واخدة بالها انها بتخنقنى ، لما غرقتنى اتخنقت ، فاهم ؟ .
بدا ما يقوله هشام فى رأى حسن نوعا من الترف ، تمنى أن تكون زوجته بالمثل ، تغرقه فى مشاعر الحب وتنتمى اليه وتدخله عالمها وتشاركه حياتها ، حدث نفسه بأنه سيكون على أتم الاستعداد لأن يتحملها ولن يعانى من الخنقة التى يعانيها هشام ولن يشكو ، فى الوقت نفسه حدث هشام نفسه وتمنى ان تكون له زوجة مثل زوجة حسن ، تعطى المشاعر بحساب ولا تتدخل فى شئونه ولا تخنقه بلهيب مشاعرها وتتيح له متنفسا بعيدا عنها فى مشاركة الحياة مع آخرين ، ولن يشكو من أنها لا تشاركه حياتها .
بدا الصديقان كل يتمنى ما فى يد الآخر للحظات ، تذكرا فى اللحظة نفسها الجملة الشهيرة التى كان يكررها الأستاذ عمران معلم اللغة العربية مرارا وتكرارا " أى شئ يحصل له افراط أو تفريط لازم نتايجه تكون سلبية " ، وأفاق كل منهما معا من مونولوج داخلي على صوت المراكبى وهو يقول :
ـ وصلنا الشط يا بهوات ، الحساب جملة ولا قطاعى .




 
نسخة للطباعة
 
مرات قراءة الموضوع: 57370        عدد التعليقات: 0
تقييم الموضوع : 75%
ممتاز   جيد   ضعيف      
 
 حقوق التأليف والنشر
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر © 2012